مراكز الاستماع إلى النساء المعنّفات تتحدى « الحشومة » في المملكة

تُعدّ مراكزُ الاستماع للنساء ضحايا العنف المتمركزة في المستشفيات والمراكز الصحية العمومية « متنفّسا » للنساء المعنفات في المغرب؛ إذ يجدْن في المساعِدات والمساعدين الاجتماعيين العاملين في هذه المراكز آذانا صاغية لبوْحهنّ، وسَندا معنويا، ودَليلَ إرشاد في طريق البحث عن إنصاف مِن ظُلم خطّتْ معالمَه الجسدية أو النفسية لكمة أو صفعة طائشة أو كلمة جارحة انفلتت في لحظة غضب.

في هذه السطور، نسلط الضوء، من خلال إفادات مُساعدات ومساعدين اجتماعيين، على عمَل مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف في المستشفيات والمراكز الصحية بالمملكة، وعلى أنواع العنف الذي تشتكي منه النساء القاصداتُ لهذه المراكز التابعة لوزارة الصحة، ومسالكِ توجيههن على درْب البحث عن الإنصاف لدى القضاة أو إقامة الصُّلح دون الوصول إلى المحكمة.

العنف الزوجي الأكثر انتشارا

إذا كانت الحياة الزوجية تُبنى على أساس « المودّة والرحمة »، فإنَّ أبواب البيوت المغربية تُواري مفارقة صارخة، تتمثل في كوْن النسبة الأكبر من العنف الممارَس ضدّ النساء هو العنف الزوجي المُمَارَس على الزوجات، سواء من طرف أزواجهن أو أقاربهن.

حسب نتائج البحث الوطني الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط حول أشكال العنف الممارَس ضدّ النساء في المغرب سنة 2009، وهو آخر بحث وطني في هذا المجال، فإن 55 في المئة من النساء المتزوجات تعرّضن لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف خلال السنة التي سبقت البحث.

وتُؤكّد مريم العمري، مساعدة اجتماعية، هذا المُعطى، انطلاقا من المُعاينة الميدانية، بقولها: « النساء مُعرَّضات لجميع أنواع العنف، الجسدي والنفسي والاقتصادي والزوجي، وهذا النوع الأخير هو المنتشر أكثر في المغرب، ويسير في مَنحى تصاعُدي ».

حسب رأيها، تعْزو مريم العمري أسباب العنف الزوجي الممَارس على النساء المتزوجات في المغرب إلى عامليْن رئيسيّين، هما الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الأزواجُ المُعنِّفون، والأمّية.

جهود خلايا الاستماع

تتكون مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف في المستشفيات والمراكز الصحية العمومية من خلايا تتولّى مهمة استقبال النساء المُعنّفات، والاستماع إليهن، ولا حقا يتم توجيهُهنّ إلى الطبيب المكلف بمنح الشواهد الطبية التي تُثبت بها المرأة المُعنّفة تعرُّضها للعنف، ثمّ تُحال على الطبيب النفسي، وتستفيد النساء المعنّفات من هذه الخدمات مجانا.

تؤكّد مريم العمري أنّ مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف تلعب دورا هاما في مساعدة النساء المعنفات؛ « إذ إنها الباب الأوّل الذي تطرقه المرأة أو الطفل المعنَّف »، كما تقول، في حين إنّ خلايا الاستماع، تردف المتحدثة ذاتها، هي نُقطة العودة (Le point de retour)، حيث إنّ المساعدة الاجتماعية لا تكتفي فقط بالإنصات إلى الضحية، بل تأخذ بيدها وتوجّهها.

العنف الجسدي

إذا كان العنف الجسدي هو أكثر أنواع العنف الذي تصرّح به النساء المعنفات أثناء الاستماع إليهن من طرف المساعدات والمساعدين الاجتماعيين بمراكز الاستماع للنساء والأطفال ضحايا العنف في المستشفيات والمراكز الصحية، فإنّ السبب راجع إلى كون العنف الجسدي يسهُل إثباته.

تقول سميرة تابين، مساعدة اجتماعية بالمستشفى الإقليمي بمدينة الجديدة: « تتعرض النساء، وحتى الأطفال، لمختلف أنواع العنف، لكنّ العنف الجسدي والجنسي هو الذين يتمّ التصريح به في الغالب، لأنّ الشواهد الطبيّة المُسلّمة لضحايا العنف تُبنى على معاينة آثاره المادية ».

هذا لا يعني أنّ النساء يتعرّضن فقط للعنف الجسدي، بل يتعرّضن لأشكال أخرى من العنف، مثل العنف المعنوي، متمثلا في السبّ والشتم والتهديد، والعنف الاقتصادي، لكنّ غزلان أيت الخيري، مساعدة اجتماعية بمندوبية الصحة بالحوز، تنبّه إلى أنّ العنف لا يُمارَس على المرأة فقط من طرف زوجها، بل من طرف جهات أخرى.

تقول غزلان: « نتائج البحث الوطني حول أشكال العنف الممارَس ضدّ النساء في المغرب تؤكد أنّ العنف الزوجي هو الأكثر شيوعا، لكنَّ هذا العنف لا يمارسه الزوج وحده، بل تتعرض له المرأة من طرف حماتها، وغيرها من أقاربها، فضلا عن العنف الممارَس على المرأة خارج البيت، من طرف مشغّلها أو كل من لديه سلطة عليها ».

وفي الوقت الذي تبحث فيه القطاعات الوزارية المعنية بحقوق المرأة سبُل تقليص نسبة العنف ضد النساء في المغرب، ترى سميرة تابين أنّ هذه الظاهرة ما زالت مستفحلة، قائلة: « كلّ يوم أستقبل أربع أو خمس حالات جديدة »، لافتة إلى أنّ العنف يطال حتى النساء المطلقات من طرف مطلّقيهن، سواء أمام المحاكم أو في الشارع، « وكأنّ الرجل يبحث عن إفراغ غضبه في المرأة ».

« حشومة » و »عيب » تضيّعان حقوق النساء

على الرغم من أنّ النساء المعنّفات يتجرّعن الويلات، فإنّ كثيرا منهن يضطررن إلى التنازل عن حقوقهنّ لأسباب مختلفة، كصعوبة الولوج إلى العدالة، حيث لا تتوفر لِكثير من النساء الإمكانيات لمتابعة المساطر القانونية في المحاكم؛ ما يدفعهن إلى « السماح في حقهن »، تقول مريم العمري.

صعوبة الولوج إلى العدالة ليست وحدها السبب الذي يدفع كثيرا من النساء المعنفات إلى التنازل عن حقوقهن مرغمات، بل ثمّة أيضا أسباب ثقافية؛ ففي منطقة الحوز، مثلا، « تستحيي النساء من التصريح بتعرضهن للعنف، لأنّ الأمر هناك ما زال مسكوتا عنها »، تقول غزلان أيت الخير.

من جهتها، قالت مريم العمري إنّ سكوت النساء عن تعرضهن للعنف « ما زال طابو لا يريد أن ينقلع من مجتمعنا »، مضيفة: « أحيانا الحمولة الثقافية للمرأة ولمُحيطها تُرغمها على التنازل عن التصريح بتعرضها للعنف، خصوصا من طرف زوجها، حيث ما زالت تسود وسط الأسَر المغربية عبارات من قبيل: حْشومَة وعيْب المْرا تُوقفْ ضدّ راجْلْها وتدْعيهْ فالمحكمة ».

وأوضحت أنّ هذا التصوّر مغلوط، لأنّ المرأة حين تتوجه إلى المحكمة تجد رهن إشارتها مساعدات اجتماعيات، ويتم التكفل بها وإرشادها، لافتة إلى أنّ سكوت النساء عن تعرضهن للعنف يَشيع أكثر في الوسط القروي، بفعل الثقافة « المحافظة » السائدة هناك مقارنة مع العالم الحضري.

الصُّلْح خيْر

العنف الممارَس على المرأة في المغرب لا ينحصر فقط في نطاق العنف الجسدي، بل يتعدّاه إلى ما هو معنوي، حسب محمد مرداني، مساعد اجتماعي بالمركز الاستشفائي الإقليمي بتارودانت، لكنّ خلايا الاستماع تجد صعوبة في مساعدة الضحية التي تعرضت لهذا النوع من العنف، لغياب وسيلة لإثباته، يوضح المتحدث، مضيفا أن « العنف المعنوي منتشر، لكنّه ما يزال مُضْمَرا في نفوس النساء ولا يتمّ التصريح به ».

وفي الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على تعزيز التشريعات والقوانين المتعلقة بمكافحة العنف ضدَّ النساء في المغرب، فإنَّ خلايا الاستماع إلى النساء ضحايا العنف في المستشفيات والمراكز الصحية تعمل على إمالة كفّة الصُّلح، خاصة بين المرأة وزوجها، إذا تبيّن أنّ الزوج ندمَ فعلا عمّا بدَر منه ويريد نيْل صفْح زوجته.

تقول غزلان أيت الخير: « نحن نقوم بتوجيه النساء ضحايا العنف كل حالة على حدة، ولا نتْبع أسلوبا موحّدا مع جميع النساء؛ إذْ نحرص في البداية على أن نكسب ثقة المرأة لتبوح لنا بما يمور في صدرها، وبعد ذلك نترك لها حرية اختيار المسار الذي تريد أن تسلُكه؛ إذا فضلت التوجه إلى المَحكمة، فذلك قرارُها، وإذا وجدْنا سبيلا إلى إقامة الصلح، نقيمه ».

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Close